الأربعاء، 6 مارس 2019

( العراق )

( العراق )




بسم الله الرحمن الرحيم

من قطوف الكتب ..

( العراق )

وامّا العراق فحدّها فى الطول من حدّ تكريت الى عبّادان على بحر فارس وفى العرض عند بغداد من قادسيّة الكوفة الى حلوان وعرضها بواسط من واسط الى قرب الطّيب وعرضها بالبصرة من البصرة الى حدود جبّى، والّذى يطوف بحدودها من تكريت ممّا يلى المشرق حتّى يجوز بحدود شهرزور ثمّ يطوف على حدود حلوان وحدود السيروان والصيمرة وحدود الطيب وحدود السوس حتّى ينتهى الى حدود جبّى ثمّ الى البحر فيكون فى هذا الحدّ من تكريت الى البحر تقويس ويرجع الى حدّ المغرب من وراء البصرة فى البادية على سواد البصرة وبطائحها الى واسط ثمّ على سواد الكوفة وبطائحها الى الكوفة ثمّ على ظهر الفرات الى الانبار ثمّ من الانبار الى تكريت بين دجلة والفرات وفى هذا الحدّ من البحر الى تكريت تقويس ايضا فهذا المحيط بحدود العراق وامّا المسافات فانّه من تكريت الى البحر ممّا يلى المشرق مقوّس نحو شهر ومن البحر راجعا فى حدّ المغرب الى تكريت مقوّس نحو شهر، ومن بغداد الى سامرّا 3 مراحل ومن سامرّا الى تكريت مرحلة ومن بغداد الى الكوفة 4 مراحل ومن الكوفة الى القادسيّة مرحلة ومن بغداد الى واسط 8 مراحل ومن بغداد الى حلوان 6 مراحل ومن بغداد الى حدود الصيمرة والسيروان نحو ذلك، ومن واسط الى البصرة 8 مراحل ومن الكوفة الى واسط على طريق البطائح 6 مراحل ومن البصرة الى البحر مرحلتان، وعرض العراق ببغداد من حلوان الى القادسيّة 11 مرحلة وعرضه عند سامرّا الى حدّ شهرزور من جهة اذربيجان نحو 5 مراحل والعامر منه اقلّ من مرحلة وعرضه بواسط نحو 4 مراحل وعرضه بالبصرة من البصرة الى حدود جبّى نحو مرحلتين خفيفتين وامّا مدنها فالبصرة مدينة عظيمة لم تكن فى ايّام العجم وانّما اختطّها المسلمون ايّام عمر بن الخطّاب ومصرّها عتبة بن غزوان وهى خطط وقبائل كلّها ويحيط بغربيّها البادية مقوّسا وليس فيها مياه الّا انهار وذكر بعض اهل الاخبار انّ انهار البصرة عدّت ايّام بلال بن ابى بردة فزادت على مائة الف نهر وعشرين الف نهر تجرى فيها الزواريق وقد كنت انكر ما ذكر من عدد هذه الانهار فى ايّام بلال بن ابى بردة حتّى رايت كثيرا من تلك البقاع فربّما رايت فى مقدار رمية سهم عددا من الانهار صغارا تجرى فى كلّها زواريق صغار، ولكلّ نهر اسم ينسب به الى صاحبه الّذى احتفره او الى الناحية الّتى يصبّ فيها واشباه ذلك من الاسامى فجوّزت ان يكون ذلك فى طول هذه المسافة وعرضها، واكثر ابنيتها بالآجرّ وهى من بين سائر العراق مدينة عشريّة ولها نخيل متّصلة من عبدسى الى عبّادان نيف وخمسين فرسخا متّصلا لا يكون الانسان منه فى مكان الّا بحيث نهر ونخيل او يكون بحيث يراهما وهى فى مستوى لا جبال فيه ولا بحيث يقع البصر على جبال، وبها قبر طلحة بن عبيد الله من الصحابة فى المدينة وخارج المربد فى البادية قبر أنس بن مالك والحسن البصرىّ وابن سيرين والمشاهير من علمآء البصرة وزهّادها، ولها نهر يعرف بنهر الأبلّة طوله اربعة فراسخ ما بين البصرة والأبلّة وعلى حافتى هذا النهر قصور وبساتين متّصلة كانّها بستان واحد قد مدّت على خيط واحد ويتشعّب هذه الانهار الى انهار كثيرة فمنها ما يقارب هذا النهر فى الكبر كانّ نخيلها غرست على خيط واحد وهذه الانهار كلّها مخترقة بعضها الى بعض وكذلك عامّة انهار البصرة حتّى اذا جآءهم مدّ البحر تراجع الماء فى كلّ نهر حتّى يدخل نخيلهم وحيطانهم وجميع انهارهم من غير تكلّف فاذا جزر الماء انحطّ حتّى تخلو منه البساتين والنخيل ويبقى فى الانهار الّا انّ الغالب على مائهم الملوحة وانّما يستقون اذا جزر الماء الى حدّ نهر معقل ثمّ يعذب فلا يضرّه ماء البحر والأبلّة على هذا البحر وعلى ركن الأبلّة فى نهر الأبلّة خور عظيم الخطر وربّما سلمت السفن من سائر الاماكن فى البحر وغرقت فى هذا الخور يعرف بخور الأبلّة، والأبلّة مدينة صغيرة خصبة عامرة حدّ لها نهر الأبلّة الى البصرة وحدّ لها دجلة الّتى يتشعّب منها هذا النهر عاطفا عليها وينتهى عمودها الى البحر بعبّادان، وللبصرة مدن فامّا عبّادان والأبلّة والمفتح والمذار فعلى شطّ دجلة وهى مدن صغار متقاربة فى الكبر عامرة الّا الأبلّة فانّها اكبرها، وفى حدود البصرة بين اضعاف قراها آجام كثيرة وبطائح اكثرها يسار فيها بالمدارى قريبة القعر كانّها كانت على قديم الايّام ارضا مكشوفة ويشبه ان يكون لمّا بنيت البصرة وشقّت الانهار واتّصل بعضها ببعض فى القرى والمجارى فتراجعت المياه وغلبت على ما يسفل من ارضها فصارت بحارا وبطائح وامّا واسط فانّها نصفان على شاطئ دجلة من غربيّها وشرقيّها وبين الجانبين جسر من سفن وفى كلّ جانب مسجد جامع وهى محدثة فى الاسلام احدثها الحجّاج بن يوسف وبها خضرآء الحجّاج وهى مدينة يحيط بحدّها الغربىّ البادية بعد مزارع يسيرة وهى خصبة كثيرة الشجر والنخيل والزروع وهى اصحّ هواء من البصرة وليس لها بطائح واراضى رساتيقها متّصلة معمورة وامّا الكوفة فانّها قريبة من البصرة فى الكبر وهواؤها اصحّ وماؤها اعذب من البصرة وهى على الفرات وبناؤها مثل بناء البصرة ومصرّها سعد بن ابى وقّاص وهى ايضا خطط لقبائل العرب الّا انّها خراجيّة بخلاف البصرة لانّ ضياع الكوفة جاهليّة وضياع البصرة احياء موات فى الاسلام والقادسيّة والحيرة والخورنق هى على طرف البادية ممّا يلى الغرب ويحيط بها ممّا يلى المشرق النخيل والانهار والزروع وهما والكوفة فى اقلّ من مرحلة، والحيرة مدينة جاهليّة طيّبة التربة مفترشة البناء كبيرة الّا انّها خلت عن الاهل لمّا عمرت الكوفة وهواؤها وترابها اصحّ من الكوفة وبينها وبين الكوفة نحو فرسخ، وقريب من الكوفة قبر علىّ عليه السلام وقد اختلف فى مكانه فقيل انّه فى زاوية على باب جامع الكوفة أخفى من اجل بنى اميّة ورايت فى هذا الموضع دكّان علّاف ومنهم من زعم انّه من الكوفة على فرسخين وعليه قنطرة وآثار المقابر، والقادسيّة على شفير البادية وهى مدينة صغيرة ذات نخيل ومياه وزروع ليس بالعراق بعدها ماء جار ولا شجر وامّا بغداد فانّها مدينة محدثة فى الاسلام لم تكن بها عمارة فابتنى المنصور المدينة فى الجانب الغربىّ وجعل حواليها قطائع لحاشيته ومواليه واتباعه مثل قطيعة الرّبيع والحربيّة وغيرهما ثمّ عمرت فلمّا كان فى ايّام المهدىّ جعل معسكره فى الجانب الشرقىّ فسمّى عسكر المهدىّ ثمّ عمرت بالناس والبنيان وانتقلت الخلافة الى الجانب الشرقىّ وهى اليوم اسفل هذا الجانب بالحريم ليس ورآءها بنيان للعامّة متّصل وتفترش قصور الخلافة وبساتينها من بغداد الى نهر بين فرسخين على جدار واحد حتّى تتّصل من نهر بين الى شطّ دجلة ثمّ يتّصل البناء بدار الخلافة مرتفعا على دجلة الى الشمّاسيّة نحو خمسة اميال وتحاذى الشمّاسيّة فى الجانب الغربىّ الحربيّة فيمتدّ نازلا على دجلة الى آخر الكرخ ويسمّى الشرقىّ جانب الطاق وجانب الرّصافة وعسكر المهدىّ فمن نسبه الى الطاق يعنى انّ اوّله باب الطاق وهو موضع السوق الاعظم ومن نسبه الى الرصافة نسبه الى قصر كان الرشيد بناه بقرب مسجد الجامع بها ومن نسبه الى عسكر المهدىّ فانّ المهدىّ كان عسكر من هذا الجانب بحذاء مدينة ابى جعفر ويسمّى الجانب الغربىّ جانب الكرخ، وببغداد مساجد جوامع فى ثلاثة مواضع فى مدينة المنصور وفى الرصافة وفى دار الخلافة وتتّصل العمارة والبنيان بكلواذى وبها مسجد جامع فلو عدّ فى جملة بغداد لجاز، وقد عقد بين الجانبين على دجلة جسران من سفن ويكون من باب خراسان الى ان يبلغ باب الياسريّة وذلك عرض الجانبين جميعا نحو خمسة اميال واعمر بقعة منها الكرخ وبها اليسار ومساكن معظم التجّار، وامّا الاشجار والانهار الّتى فى الجانب الشرقىّ ودار الخلافة فانّها من ماء النهروان وتامّرا وليس يرتفع اليها من ماء دجلة الّا شىء يسير يقصر عن العمارة وينضح بالدواليب، وامّا الجانب الغربىّ فانّه قد شقّ اليه من الفرات نهر عيسى لجنب قنطرة دممّا وتتحلّب من هذا النهر صبابات تجتمع فتصير نهرا يسمّى الصّراة ويتفجّر منها انهار وبها عمارات الجانب الغربىّ ويقع ما يبقى من ماء الصراة الصغيرة والكبيرة فى دجلة وينتهى آخر نهر عيسى الى دجلة فى جوف مدينة بغداد وامّا نهر عيسى فانّ السفن تجرى فيه من الفرات الى ان يقع فى دجلة وامّا الصراة فانّ فيها حواجز تمنع من جرى السفن فتنتهى السفن منها الى قنطرة الصراة ثمّ يحوّل ما فيها ويجاوز به ذلك الحاجز الى سفن غيرها وبين بغداد والكوفة سواد مشتبك غير متميّز تخترق اليه انهار من الفرات فاوّلها ممّا يلى بغداد نهر صرصر عليه مدينة صرصر تجرى فيه السفن وعليه جسر من سفن تعبر عليه القوافل ومدينة صرصر صغيرة عامرة بالنخيل والزروع وسائر الثمار من بغداد على ثلاثة فراسخ، ثمّ ينتهى على فرسخين الى نهر الملك وهو نهر كبير اضعاف نهر صرصر وعليه جسر يعبر من سفن وينتهى نهر الملك الى قصر عمر بن هبيرة الفزارىّ باحدى شعبتيه والاخرى ترمى فى دجلة عند كوثى نحو ضيعة تعرف بالكيل ثمّ يمتدّ عمود الفرات حتّى يخرج منه نهر سورا وهو نهر كثير الماء ليس يخرج من الفرات شعبة اكبر منه حتّى ينتهى الى سورا ثمّ الى سائر سواد الكوفة ويقع الفاضل فى البطائح وكربلاء من غربىّ الفرات فيما يحاذى قصر ابن هبيرة وامّا سامرّا فانّها كلّها فى شرقىّ دجلة وليس معها فى الجانب الشرقىّ ماء جار لاكنّ عماراتها وزروعها واشجارها فيما يقابلها من غربىّ دجلة وسامرّا مدينة اسلاميّة ابتدأها المعتصم وتمّمها المتوكّل ومكثت برهة دار خلافة وهواؤها وثمارها اصحّ من بغداد وامّا النّهروان فانّها مدينة يشقّ نهر النهروان وسطها صغيرة عامرة من بغداد على اربعة فراسخ ونهر النهروان يفضى الى سواد بغداد فيما يسفل عن دار الخلافة الى اسكاف وغيرها من المدن والقرى، فاذا جزت النهروان الى الدّسكرة خفّت المياه والنخيل ثمّ يصير من الدسكرة الى حدّ حلوان كالبادية المنقطعة العمارة مفترشة منفردة المنازل والقرى حتّى تدور على تامّرا وحدود شهرزور الى حدّ تكريت وامّا المدائن فمدينة صغيرة جاهليّة قد كانت عظيمة فنقل عامّة ابنيتها الى بغداد وهى من بغداد على مرحلة وكانت مسكن الاكاسرة وبها ايوان كسرى الى يومنا هذا وهو ايوان عظيم معقود من آجرّ وجصّ ليس للاكاسرة ايوان اكبر منه، ولم نكثر من وصف بغداد لاشتهار وصفها عند الخاصّ والعوامّ فاكتفينا من وصف بغداد بجملة يسيرة ذكرناها لئلّا يطول به الكتاب وبابل قرية صغيرة الّا انّها اقدم ابنية العراق وينسب ذلك الاقليم اليها لقدمها وكانت ملوك الكنعانيّين وغيرهم يقيمون بها وبها آثار ابنية تشبه ان تكون فى قديم الايّام مصرّا عظيما ويقال انّ الضحّاك اوّل من بنى بابل وكوثى ربّا يقال انّ ابراهيم الخليل عليه السلام بها طرح فى النار، وكوثى اثنان احدهما كوثى الطريق والآخر كوثى ربّا وبكوثى ربّا الى هذه الغاية تلال عظيمة من رماد يزعمون انّها نار نمرود بن كنعان الّتى طرح فيها ابراهيم عليه السلام والجامعان منبر صغير حواليها رستاق عامر خصب جدّا والمدائن من شرقىّ دجلة من بغداد على مرحلة ويقال انّ ذا القرنين اقام بالمداين الى ان مات والاخبار عنه تكذب فانّ الاكثرين على انّه سمّ فى منصرفه من ارض الصين وحمل تابوته الى امّه باسكندريّة، ويقال انّ جانبى المدائن المكتنفين لدجلة كانت على عهد الفرس موصولا بينهما بجسر على دجلة مبنىّ بالآجرّ وليس لذلك اثر وامّا عكبرآء والبردان والنّعمانيّة ودير العاقول وجبّل وجرجرايا وفم الصّلح ونهر سابس وسائر ما ذكرنا على شطّ دجلة من المدن فهى متقاربة فى الكبر ليس بها مدينة كبيرة وهى مشتبكة العمارة وكذلك لكلّ مدينة من ذلك كورة وامّا حلوان فهى مدينة عامرة ليس فى ارض العراق بعد البصرة والكوفة وبغداد وواسط وسامرّا والحيرة مدينة اكبر منها وأكثر ثمارها التين وهى بقرب الجبل وليس للعراق مدينة بقرب الجبل غيرها وربّما سقط بها الثلج فامّا اعلى جبلها فانّ الثلج يسقط به دائما والدّسكرة مدينة بها نخيل وزروع عامرة وخارجها حصن من طين داخله فارغ وانّما هو مزرعة يقال انّ الملك كان يقيم هناك فى بعض فصول السنة فسمّيت دسكرة الملك لذلك وامّا من تكريت الى ان تجاوز سامرّا الى قرب العلث فكانّك تطوف على مثال القوس الى الدسكرة ثمّ تطوف على مثال القوس الى حدّ عمل واسط من حدّ العراق الى حدّ الجبل فانّه قليل العمارة فيها قرى مفترشة والغالب عليها الاكراد والاعراب وهى مراع لهم، وكذلك من تكريت عن غربيّها الى ان تنتهى الى الانبار بين دجلة والفرات قليل العمارة وانّما العمارة منه ما يحاذى سامرّا اميالا يسيرة والباقى بادية ولم ابالغ فى وصف العراق لاكثار الناس فيها واشتهار عامّة ما يذكر منها فهذه صفة جامعة لها وجيزة اذ كان قصدى فيها وفى غيرها الى تخطيط هيآتها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب: المسالك والممالك
المؤلف: أبو اسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الاصطخري، المعروف بالكرخي (المتوفى: 346هـ)









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللهم بَلِّغْنَا رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم  أعود للكتابة بعد رمضان إن شاء الله تعالى ، دمتم بألف خير .