الاثنين، 11 فبراير 2019

( نظرة )

قصة قصيرة



بسم الله الرحمن الرحيم

قصة قصيرة ..

( نظرة )

كم أحب التنزه بسيارتي بين شوارع وأحياء القاهرة ! قليلة هي المرات التي أخرج فيها ..
أنا مشغولةٌ جداً بأبحاثي رغم إنني قررت الاستقرار في مصر بعد سنين الهجرة الطويلة ..
إن رؤيتي الناس تتيح لي فرصة الاطلاع على التغيرات التي طرأت على سلوكهم قبل سفري وبعده ..
أذكر أنني كنت مراقِبةً جيدةً لأفعال الناس حتى قبل سفري إلى انجلترا ودراستي " للأنثروبولوجي " في جامعة "إكسفورد" العريقة ، أعتقد أن جذوري راسخة في مجتمعي رغم الغربة والمغريات المادية والمعنوية وإلا لما قررت الاستقرار نهائياً بين أهلي وناسي !
"
الفيلا في المقطم " وهو ما لا يتيح لي فرصة رؤية أحد تقريباً ! مجرد ركوب السيارة والتجول بها بين أحياء مصر هو متعةٌ في حد ذاته فضلاً عن كونه مفيداً في نطاق عملي ..
نعم ... سآخذ هذا الطريق وسأنتهي اليوم إلى أحد الأحياء الشعبية .. لنقل السيدة زينب أو السيدة نفيسة أو الحسين !
ترى لِمَ تقف هاتان السيدتان بجانب سيارتهما وتتحاوران مع أمين الشرطة ؟! هذا المغفل! إن زيِّهما يحتاج إلى ضابط على الأقل حتى يرضى بالتحاور معه ! وإن كنت أرى أن إحداهما مُحدثَةُ نعمة ؛ فهي شديدة البياض - يظهر ذلك من بياض كفيها - ورغم ذلك تضع رطلاً من البودرة على وجهها ورطلاً آخر من " الروج " حتى أصبحت أشبه " بعروسة " المولد ..
طالما سمعت من والدتي عن " عروسة " المولد ، وطالما طلبناها أنا وهي من أبي وحرص دائماً ألا يحضرها لي !! قد أتفهم السبب الآن ..
انظري .. انظري إلى هذه التي تقف في انتظار سيارة أجرة .. هل تعتقد أنها في باريس ؟! هل لازالت موضة " الميكروجيب " موجودة!! أقسم أنني لو كنت رجلا ً، وكنت سائق سيارة الأجرة لاختطفتها !
الإحصائيات تؤكد ارتفاع حالات الاغتصاب وانخفاض نسبة الزواج وزيادة حالات الطلاق وتفشي العنوسة و ـ العزوبة ـ إن صح التعبير !
هه ما علينا ..
ما هذا كل شاب يسير وقد خاصر فتاة !! لم أقرأ بعد الدراسة التي قدَّمَتْها لي الدكتورة نجوى عن الزواج العرفي بين الشبان والفتيات حديثي السن ..
آه ..هذه الفتاة تنتظر الحافلة تبدو ملتزمة لكني لا أفهم لماذا تضع مكياجاً كاملاً رغم أنها محجبة ! ثم ما فائدة الحجاب وقد ظهر جزء من عنقها أليس هو أولى من الشعر؟ ثم لماذا " بنطلون " هل تعتقد أنه لا يُظهر تقاسيم الجسم ؟! حقيقةً لا أعتقد أنها تغطي شعرها لأنها تؤمن بأنه واجب ديني!
في الحقيقة سيأتي يوم وأغطي شعري !!
ما هذا الشاب مفتول العضلات !! إنه يقف بكل صلف وقد صعّرَ خدّه !! وكأنه ينتظر أحداً ليذيقه قبضة يده .. لا .. لا .. لقد كانت في عينيه نظرة لئيمة .. نظرة ذئب !! أراهن نفسي أنه يقف هناك ليغازل الفتيات .. علـَّه يظفر بصيد إحداهن .. تباً للبطالة .. أكاد أقسم أنه قد يهدم حائطاً بقبضته هذه ..
مهلاً .. لماذا مثلتُ لنفسي بالهدم وليس البناء ؟!
ربما لأن مظهره يوحي بذلك !
ربما لو وضعوه في السجن لما كفوه إطعاماً !
هه ما علينا ..
هذه المرأة الريفية بائعة العنب تكوِّم حاجياتها بجانب القفص الذي تبيع عليه وتحمل طفلاً رضيعاً ! كيف ترضعه إذا بكى ؟ هكذا في الطريق العام ؟!
يا للمصيبة .. ما هذا التخلف ؟! إنهما ضلعا مثلث التخلف ماثليْن فيها ..الجهل والفقر ، وإن أضفنا بعض التخيل وقلنا أنها أتت تبيع العنب بدلاً من زوجها لأنه مريض لاكتمل المثلث ..أما إن لم يكن مريضاً فهذه مصيبة أكبر !!
هل مات الرجال حتى أصبحت النساء هن اللاتي يسعَيْن على الرزق ؟!
نعم المرأة من قديم الأزل منذ عهد الفراعنة وهي تساعد؛ لكنّ الرجل هو الأصل ..
آه يا قليل الأصل !! كيف لهذا المتخلف الغبي أن يصفع امرأة في الطريق حتى لو كانت زوجته أو ابنته؟ هل انعدمت الرجولة إلى هذا الحد ؟
من قلـَبَ المفاهيم ؟ الزمن ؟ الظروف ؟ أم الناس أنفسهم ؟!
آه يا ربي ! أسوأ شيء حين تقترب من دخول الشوارع المؤدية إلى الأحياء الشعبية هو التوقف في المرور والازدحام الخانق .. ما هذه السيارات المتآكلة وعوادمها المميتة ؟! من المفروض أن تُكهَّنَ جميعاً! يا إلهي كيف يستطيعون التنفس ؟! أكاد أموت لو أنني أعمل في " السواقة " لكنت مت أو جننت .. استنشاق الرصاص وهذه العوادم الثقيلة يؤدي إلى الجنون على المدى البعيد لا بد أن هذا هو السبب وراء ارتفاع ظواهر العنف والمشاجرات وحوادث القتل لأتفه الأسباب ؛ لم يعد أحدٌ يحتمل أحداً !
تعال يا حبيبي .. خذ .. شكراً على عقد الفل ..
الأطفال المساكين .. إنهم ضحية اليوم وجناة الغد !
تباً للمتخلفين الذين يلِدون ويلقون بهم في الشوارع ليواجهوا مصائرهم السوداء ثم يكبروا ليحاسبوا من ليس له ذنبٌ عليها ..
أخيراً تحركنا ..
هذه المرأة العجوز تحمل صرة في يدها وتكاد تقع! يا إلهي ستقع!! حمداً لله .. هذا شابٌ رائع لقد أمسكها وأجلسها لتستريح .. لا يزال الخير في هذه الأمة ..
تبدو هذه العائلة في انتظار ربِّها .. كنت أعلم أني لمّاحة ها قد أتى واستقلوا السيارة !
لاحظت أن معظم المباني قديمة وغير مصانة ؛ بل وحتى حديثةُ البناءِ غير مطلية .. لقد انعدم الذوق الجمالي هل "يستخسرون" دفع المال لتحسين الشكل ربما أدعوا هذا "الضوضاء البصرية"..
منها أيضاً كل هؤلاء الباعة الجائلين .. حتى أصحاب المحلات هنا يقفون أمام محلاتهم .. يا لها من عادة سيئة لا أعتقد أني سأرغب في دخول محل يقف صاحبه أمامه !!
كم سيارة مرت إلى الآن تحمل تعويذات وكلمات مانعة للعين !! نعم الحسد موجود .. ولكن هذا زائد عن الحد كثيراً .. هذا يعني بالنسبة لعالِمةٍ مثلي " ميل المصريين حالياً للتشاؤم وتباطؤهم عن العمل والاهتمام بالغيبيات وإهمال الواقع "..
سأنظر في هذا الاستنتاج فيما بعد ..
ها قد دخلنا تقريبا الشارع المؤدي للحي الذي أريد ..
هذه المرأة تبدو قصيرة جداً تحمل طفلة تمسك بيدها عصير تفاح ثمنه جنيه على الأقل .. ألاحظُ عدة َنظرات تتجه نحوها هل لأن " الكعكة في إيد اليتيم عجبه " ؟!
بالنسبة لي يعني سيطرة الثقافة الاستهلاكية .. ولكنها ليست بدليلٍ جيد ؛ فمن الصعب على الآباء والأمهات رفض طلبات هذا السن..
"
الصوت البريء والنظرة البريئة" والإحساس بالعجز عن تلبية المطالب !! شيءٌ مؤلم.. قد يدفع غير المؤَسَّسِين دينياً للتحصيل غير المشروع للمادة بمختلف أنواعه..
ابتعد ..سأغلق النافذة .. هذا المتسول !! أراهن أن لديه أكثر مما لدي ..
لا... لا ! ما هذه السيدة ؟ أنت سمينة جداً على ارتداء " النصف كم " تكاد ملابسها تتمزق من تدافع اللحم فيها !! إن الشحم يرقص في ذراعها وهي تشير به إلى .. إلى .. إليّ أنا ؟! أنا لا أعرفها !! لماذا تشـ ..
يا إلهي الرصيف .. الشجرة ..الفرامل ..لا !!
أه .. آآه ..أه .. يا ربي.. الحمد لله .. هذه فائدة الالتزام بربط حزام الأمان .. الحمد لله لم أُصب بشيء ..
ما .. ما هذا ؟! لماذا تتجمهرون حولي هكذا ؟!
لماذا تنظرون إليّ ؟! .. لم يحدث شيء !
لم يحدث شيء ..ابتعدوا ..لا تـنـظـروا ..
لا تـــــنـــظــــــروا !!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة مكتوبة منذ سنوات 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللهم بَلِّغْنَا رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم  أعود للكتابة بعد رمضان إن شاء الله تعالى ، دمتم بألف خير .