السبت، 23 فبراير 2019

( ديار مصر )

( ديار مصر )



بسم الله الرحمن الرحيم

من قطوف الكتب ..

( ديار مصر )

وأما مصر فإنّ لها حدا يأخذ من بحر الروم بين الإسكندرية وبرقة، فيأخذ فى برارىّ حتى ينتهى إلى ظهر الواحات، ويمتد إلى بلد النوبة، ثم يعطف على حدود النوبة فى حدّ أسوان، إلى أرض البجة من وراء أسوان، حتى ينتهى إلى بحر القلزم، ثم يمتد على بحر القلزم ويجاوز القلز على البحر إلى طور سينا، ويعطف على تيه بنى اسرائيل ويمتد حتى ينتهى إلى بحر الروم فى الجفار خلف رفح والعريش، ويمتد على بحر الروم إلى أن ينتهى إلى الإسكندرية، ويتصل بأول الحدّ الذي ذكرناه.
المسافات بمصر: من ساحل بحر الروم حيث ابتدأناه إلى أن يتصل بأرض النوبة من وراء الواحات نحو 25 مرحلة، ومن حدّ النوبة مما يلى الجنوب على حدود النوبة نحو 8 مراحل، ومن القلزم على ساحل البحر إلى أن ينعطف على التية 6 مراحل، ومن حدّ البحر على حدّ التيه إلى أن يتصل ببحر الروم نحو 8 مراحل ويمتد على البحر إلى أول الحدّ الذي ذكرناه نحو 12 مرحلة، وطولها من أسوان إلى بحر الروم نحو 25 مرحلة، وبها بحيرة فيها جزائر مسافتها نحو مرحلتين فى مثلها، فهذه جملة مسافاتها.
وأما صفة مدنها وبقاعها: فإن مدينتها العظمى تسمى الفسطاط، وهى على النيل فى شرقيّة شمالىّ النيل، وذلك أن النيل يجرى مؤرّبا بين المشرق والجنوب، والبلد كله على جانب واحد، إلا أن فى عدوة النيل أبنية قليلة تعرف بالجزيرة، وهى جزيرة يعبر من الفسطاط إليها على جسر فى سفن، ويعبر من هذه الجزيرة إلى الجانب الآخر على جسر آخر، إلى أبنية ومساكن على الشط الآخر يقال لها الجيزة، والفسطاط مدينة كبيرة نحو الثلث من بغداد؛ ومقداره نحو ثلثى فرسخ، والفسطاط على غاية العمارة والخصب، وبالفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب إليهم محالّها، مثل ما بالكوفة والبصرة إلا أنها أقل من ذلك، وهى سبخة ومعظم بنائهم بالطوب طبقات، وأكثر السفل بها غير مسكونة، وربما بلغت طبقات الدار الواحدة ثمانى طبقات، إلا فى طرف منها يسمى الموقف فإنّه أصلب قليلا، وبها بناء مفترش وذلك بالحمراء على شط النيل، وبها مسجدان للجمعة: بنى أحدهما عمرو بن العاص فى وسط الأسواق، والآخر بأعلى الموقف بناه أحمد بن طولون، وخارج مصر أبنية بناها أحمد بن طولون تكون زيادة على ميل، كان يسكنها جنده تسمى القطائع، كما كان بناء آل الأغلب خارج القيروان- الرقّادة، وبها نخيل وثمار كثيرة، وزروعهم على ماء النيل، تمتد فتعمّ  المزارع من حد أسوان إلى حدّ الاسكندرية وسائر الريف، فيقيم الماء من  عند ابتداء الحرّ إلى الخريف، ثم ينصرف فيزرع ثم لا يسقى بعد ذلك، وأرض مصر لا تمطر ولا تثلج، وليس بأرض مصر مدينة يجرى فيها الماء  دائما غير الفيوم، والفيوم هذه مدينة وسطة، يقال إن يوسف النبي عليه السلام اتخذ لهم مجرى يدوم لهم فيه الماء، وقوّم بحجارة وسماء اللّاهون.
وأما النيل فإنّ ابتداء مائه لا يعلم، وذلك أنه يخرج من مفازة من وراء أرض الزنج لا تسلك، حتى ينتهى إلى حدّ الزنج، ثم يقطع فى مفاوز وعمارات أرض النوبة، فيجرى على عمارات متصلة إلى أن يقع فى أرض مصر، وهو نهر يكون عند امتداده أكبر من دجلة والفرات إذا جمعا، وماؤه أشد عذوبة وحلاوة وبياضا من سائر أنهار الإسلام، وفى هذا النهر يكون التمساح والسقنقور وسمكة يقال لها الرعّادة  ، لا يستطيع أحد أن يقبض عليها وهى حيّة، حتى يرتعش وتسقط من يده، فإذا ماتت فهى كسائر السمك، وأما التمساح فإنه دابّة من دوّاب الماء مستطيل الرأس، طول رأسه يكون نحوا من نصف طول بدنه، وله أنياب لا يعض على دابة ما كانت من سبع أو جمل إلا مدّه فى الماء، وربما خرج من الماء فمشى فى البر، وليس له فى البر سلطان ولا يضر أحدا، وجلده يشبه السّفن الذي تتخذ منه مقابض السيوف، لا يعمل السلاح  فيه إلا تحت يديه ورجليه  ومكان الإبط، وأما السقنقور فإنه صنف من السمك، إلا أن له يدين ورجلين، ويتعالج به للجماع، ولا يكون فى مكان إلا فى النيل. وعلى حافات النيل من حدّ أسوان إلى أن يقع فى البحر مدن وقرى منظومة متكاثفة، وأسوان هذه ثغر النوبة إلا أنهم مهادنون، وبصعيد مصر جنوبى النيل معدن الزبرجد فى بريّة منقطعة عن العمارة، ولا يعلم فى الأرض معدن له غير هذا، وفى شمالى النيل جبل بقرب الفسطاط يسمى المقطّم، فيه وفى نواحيه حجر الخماهن، ويمتد هذا الجبل إلى النوبة، وعند هذا الجبل بحذاء الفسطاط قبر الشافعى فى جملة المقابر. وأما الاسكندرية فهى مدينة على شط البحر، كثيرة الرخام فى الفرش والأبنية والعمد، وبها منارة قد أسّست فى الماء من صخر رفيع السمك جدا، تشتمل على زيادة من ثلثمائة بيت، لا يصل المرتقى إليها إلا بدليل. ويسمى ما علا من النيل عن الفسطاط الصعيد، وما تسفّل منه الريف، ومن حدّ الفسطاط فى جنوبى النيل أبنية عظيمة يكثر عددها، مفترشة على سائر الصعيد  ، وبحذاء الفسطاط على نحو من فرسخين منها أبنية عظيمة، أكبرها اثنان ارتفاع كل واحد منهما أربعمائة ذراع  ، وعرضه أربعمائة ذراع، وطوله أربعمائة ذراع، وهو فى صورة العمارة  مربع الأسفل، ثم لا يزال يرتفع ويضيق حتى يصير أعلاه نحو مبرك جمل، وملئت بنيانه بكتابة يونانية ، وفى داخله طريق يسير فيه الناس رجّالة إلى قريب أعلاه، وفى هذين الهرمين طريق فى باطن الأرض مخترق، وأصحّ ما سمعت فى الأهرام أنها قبور الملوك الذين كانوا بتلك الأرض.
وعرض العمارة على النيل من حدّ أسوان ما بين نصف يوم إلى يوم إلى أن تنتهى إلى الفسطاط، ثم تعرض فيصير عرضها من حدّ الإسكندرية إلى الخوف، الذي يتصل بمفازة القلزم- نحو ثمانية أيام، وما فى العرض من أرض مصر قفار.
وأما الواحات فإنّها بلاد كانت معمورة بالمياه والأشجار والقرى والناس، فلم يبق فيها ديّار، وبها إلى يومنا هذا ثمار كثيرة وغنم قد توحّشت فهى تتوالد، والواحات من صعيد مصر إليها فى حدّ الجنوب نحو ثلاثة أيام فى مفازة، وتتصل الواحات بالنوبة ببريّة فتنتهى إلى أرض السودان.
وبأرض مصر بحيرة يفيض فيها ماء النيل، تتصل ببحر الروم تعرف ببحيرة تنّيس  ، إذا امتدّ النيل فى الصيف عذب ماؤها، وإذا نقص فى الشتاء إلى أوان الحرّ غلب ماء البحر عليها فملح ماؤها، وفيها مدن مثل الجزائر تطيف البحيرة بها، فلا طريق إليها إلا فى السفن، فمن مشاهير تلك المدن تنّيس ودمياط، وهما مدينتان لا زرع بهما ولا ضرع، وبهما يتخذ المرتفع من ثياب مصر، وهذه البحيرة قليلة العمق  ، يسار فى أكثرها.
بالمرادى، وبها سمكة تسمى الدلفين فى خلقة الزق المنفوخ، وسمكة إذا أكلها الإنسان رأى منامات هائلة، ومن حدّ هذه البحيرة إلى حدّ الشام أرض كلها رمال متصلة حسنة اللون تسمى الجفار، بها نخيل ومنازل ومياه مفترشة غير متصلة، ويتصل حدّ الجفار ببحر الروم، وحدّ بالتّيه، وحدّ بأراضى فلسطين من الشام، وحدّ ببحيرة تنّيس وما اتصل به من ريف مصر إلى حدود القلزم، وأما تيه بنى اسرائيل فيقال إن طوله نحو من أربعين فرسخا، وعرضه قريب من طوله، وهى أرض فيها رمال وأرض صلبة  ، وبها نخيل وعيون مفترشة قليلة، يتصل حدّ له بالجفار، وحدّ بجبل طور سينا وما اتصل به، وحدّ بإزاء  بيت المقدس وما اتصل به من فلسطين، وحدّ له ينتهى إلى مفازة فى ظهر ريف مصر إلى حدّ القلزم.
وأما الأشمونين فإنها مدينة صغيرة عامرة، ذات نخيل وزروع، ويرتفع من الأشمونين ثياب كثيرة، وبحذائها من شمالى النيل مدينة صغيرة يقال لها بوصير، بها قتل مروان بن محمد، ويقال إنّ سحرة فرعون الذين حشرهم فى يوم موسى من بوصير؛ فأما أسوان فإن بها نخيلا كثيرا وزروعا، وهى أكبر مدن الصعيد، وإسنا  وإخميم متقاربتان فى العمارة، صغيرتان عامرتان بالنخيل والزروع، وذو النون المصرى الناسك من إخميم؛ والفرما على شط البحيرة، وهى مدينة صغيرة خصبة، وبها قبر جالينوس اليونانى، ومن الفرما إلى تنّيس نحو فرسخين فى البحيرة، وبتنّيس تل عظيم مبنى من أموات منضّدين بعضهم على بعض، يسمى هذا التل بوتون، ويشبه أن يكون ذلك من قبل موسى عليه السلام، لأن أرض مصر فى أيام موسى كان دينهم الدفن، ثم صارت للنصارى ودينهم الدفن، ثم صارت للإسلام، ورأيت عليهم أكفانا من جنس الخيش، وجماجم وعظاما فيها صلابة إلى يومنا هذا؛ وعين شمس ومنف هما قريتان قد خربتا، كل واحدة منهما من الفسطاط على نحو أربعة أميال، وعين شمس من شمالى الفسطاط ومنف من جنوبيّه، ويقال إنهما كانتا مسكنين لفرعون، وعلى رأس جبل المقطم فى قلّته مكان يعرف بتنّور فرعون، يقال إنه كان إذا خرج من أحد هذين الموضعين يوقد فيه، فيعدّ فى المكان الآخر ما يعدّ له. وفى نيل مصر مواضع لا يضر فيها التمساح، منها عند الفسطاط وبوصير وغير ذلك من أماكن معروفة؛ وحوالى الفسطاط زرع ينبت مثل القضبان يسمى البلسان، يتخذ منه دهن البلسان، لا يعرف بمكان فى الدنيا إلا هناك؛ وأما العبّاسة وفاقوس وجرجير فإنها من أرض الحوف، ويعرف شمالىّ النيل أسفل من الفسطاط بالحوف، وجنوبيه بالريف، ومعظم رساتيق مصر وقراها فى هذين الموضعين.
وأما معدن الذهب فمن أسوان إليه خمسة عشر يوما، والمعدن ليس فى أرض مصر ولكنه فى أرض البجة وينتهى إلى عيذاب، ويقال إن عيذاب ليست من أرض البجة، وإنما هى من مدن الحبشة، والمعدن أرض مبسوطة لا جبل فيها، وإنما هى رمال ورضراض، ويسمى ذلك المكان الذي فيه مجمع الناس العلّاقى، وليس للبجة قرى ولا خصب فيه غناء، وإنما هم بادية ولهم نجب، يقال إن ما فى النجب أسير منها، ورقيقهم ونجبهم وسائر ما بأرضهم يقع إلى مصر وبمصر بغال وحمير ولا يعرف فى شىء من بلدان الإسلام أحسن ولا أثمن منها، ولهم من وراء أسوان حمير صغار فى مقدار الكباش، ملمّعة تشبه البغال الملمّعة، إذا أخرجت من مواضعها لم تعش، ولهم حمير يقال لها السملاقيّة بأرض الصعيد، زعموا أن أحد أبويها من الوحشى والآخر من الأهلى، فهى أسير تلك الحمير، وبالجفار حيّات فى مقدار الشبر، تثب من الأرض حتى تقع فى المحامل فتلسع، وأهل مصر فى أخبارهم يزعمون أن الجفار فى أيام فرعون كانت معمورة بالقرى والمياه، وأن الذي قال الله تعالى وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ
هو الجفار، ولذلك سمى العريش عريشا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتاب: المسالك والممالك
المؤلف: أبو اسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الاصطخري، المعروف بالكرخي (المتوفى: 346هـ)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللهم بَلِّغْنَا رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم  أعود للكتابة بعد رمضان إن شاء الله تعالى ، دمتم بألف خير .