الأحد، 10 فبراير 2019

( كِبريته )

قصة قصيرة


بسم الله الرحمن الرحيم

قصة قصيرة ..

( كِبريته )

العم " حسن " رجلٌ طيب في العقد الخامس من العمر، وجهه ينمُّ عن عمره بدقة ، في قسماته لمحة من إنسان العصر الحجري، يعمل حارساً لأرضٍ فضاء يملكها ابن أخ ٍله غير شقيق ، هو إلى القِصَر أقرب منه إلى الطول على عكس أخيه الشقيق ، كان أقرب إلى البدانة في مقتبل عمره وهو الآن منها بعيد ، تقتحمه العين لرثاثة ثيابه فهو إن ارتدى جلباً أصبح صعيدياً قحاً - وهو كذلك - رغم عيشه في المدينة زمناً لا يقل عن عمر أكبر أبنائه الذي قارب سن التجنيد بل وربما كان هندام الفلاح أكثر اتساقاً من هندامه حينها ، أما إذا ارتدى إحدى بذلتيه فلن تنسِبَهُ ـ قطعاً ـ إلى الأثرياء كما لن تصل به إلى رتبة الموظفين ـ مهما نزلت مرتبتهم في هذا الزمن ـ
سافر يوماً مع ابن أخيه قطاراً في الدرجة الأولى فكانت ترصده العيون جيئةً وذهاباً تنم نظرتها عن السؤال المنطقي هنا وهو كيف لهذا الثوب بهذا المقعد ؟!
وهو لا يحمل شهادات تعليمية ولا تدري إن كان " يفك الخط ويعقده" أم لا ، فهو إن جالسته يأخذك بحديثه فتعتقد فيه المعرفة والدراية التي ولا شك حصّلها من اهتمامه الشديد بنشرات الأخبار ، فهو لا يفوِّتُها في مذياعٍ أو رائي ! وهو يتشعب بمحدثه من تلابيب الكلام إلى أطرافه شاء أم أبى ثم لا تلبث أن تحصل منه على كلمات تكشف لك أنه ـ إن جازت لنا التسمية ـ من أرباع المثقفين ويتكشف لك زيف حكمته وإن كان الزمن لم يبخل عليه ببعضٍ منها ..
يُظهر لين المراس فتعتقدُهُ فيه وهو ليس كذلك ـ وهذا ما تراه زوجته سبباً لفشل أبنائه الذكور الثلاثة في التعليم - في حين يرى هو أن السبب يعود إلى إهمالها في المنزل ؛ وينظر الاثنان بعين الغيرة إلى بنات الأخ الشقيق وكيف أفلحن في الدراسة رغم أنهن فتيات ، فيُرجِع هو السبب إلى تدبير زوجة أخيه السليم ، وتُرجعه هي إلى عقل أخيه الراجح رغم حدة الطبع المعروفة عنه بل وعن أهل الجنوب جميعاً بلا استثناء ، ورغم إن المرأة الشرقية غالباً لا تملك الكثير في القرارات المصيرية للأبناء ، ولا تملك غالباً القدرة على تعديل أسلوب التربية إلا أن الذنب في الحقيقة لا ينفك عن رقبة الاثنين..
العم حسن لا يكف عن رواية حكاية حصلت له والتشهير ببطلها الحاج علي البقال جاره في مكان العمل، فقد وضع العم حسن غراءً جافاً في صفيحة وجمع لها بعض أعواد الخشب والورق لكي يُسخِّنه فيسيل ويلصق به رجل الكرسي الخشب الذي يجلس عليه ليحرس قطعة الأرض، ولم يتبق له ليتم مهمته سوى عود كبريت يشعل به النار، فتوجّهَ إلى الحاج علي وطلب منه "كبريته" ، فأعطاه مشط كبريت وقال له : " بشلن "
قال العم حسن سأشعل عوداً واحداً فقط وأعيدها لك .
قال الحاج علي : ثمنها شلن .
أعاد العم حسن الكلام :
سأشعل عوداً واحداً وأعيدها لك!
قال الحاج علي ومن يشتريها مني بعد أن تستعمل منها عوداً ؟؟ أم تريدني أن أغش الناس ؟!
صرخ العم حسن : يا رجل! إن لم تعتبرني شخصاً قصدك في ما لا يُردّ لتفاهته ؛ فاعتبر حساب الجيرة!!
حتى رسولنا الكريم يقول : الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار ، والله لن آخذها منك حتى لو أعطيتني كل ما في دكانك من كبريت..
ومضى العم حسن غاضباً، وحلف ألا يُصلح كرسيه في ذلك اليوم، وفرش شاله وقعد عليه يحكي للرائح والغادي حكايته!
ومن يومها ليس في فمه سوى الحاج علي و كبريتة الحاج علي! أرأيتم تفاهة مثل هذه ! أرأيتم تخلفاً أشدّ من هذا ؟!
ماله الحاج علي ؟! رجلٌ قارب السبعين من العمر، نحيفٌ ضعيف ، لا يكاد بصره يُسعفه فوق المترين، ومع هذا لم يوهن الدهر عزيمته : يصارعهُ كل صباح، وهو لا يعلم إن كان سيعود في المساء ليعطي ما انتزعه من الدهر من قوت يومه لابنيه وابنتيه اللذين لم يصل أكبرهم إلى سن المدرسة بعد.. بعد أن ربّى وزوّج أبناءه الكبار الذين هاجروا للعمل، وابنته التي تزوجت موظفاً شريفاً يحيا بمرتبه وبصبره في الحياة..
وقد اضطر للزواج من أم أبنائه الصغار بعد وفاة زوجته الأولى، وقد كانت جارةً مطلقةً شابة لم يتركها- بشهامته - لتلوكها الألسن ولم يحرمها - بكرمه وعنفوانه ـ من نعمة الأمومة .
من أين يأتي لهم بمستلزمات الحياة إن هو خجِل من كل جارٍ وأعطى كل سائل ؟؟
ألا يخجل العم حسن وسواه أن يطلبوا منه شيئاً دون مقابل؟ بدلاً من أن يعينوا من كان في مثل سنه وظروفه ؟!
ألا يخجل العم حسن أن يصرف الناس عن دكانه بحكايته السخيفة هذه ؟؟!
ألا يخجل العم حسن من نفسه وقد افتعل ما فعل بسبب بخله عن دفع ثمن كبريته  "بشلن" ؟!
إن ما يحكيه لهو تشهيرٌ بهِ ـ والله ـ أكثر منه بالحاج علي !
أنتم تعلمون طبعاً أنني أدافع دائماً عن الحق ـ وليس لأن الحاج علي هو جدي لأمي 
أبداً ... أبداً !!

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
الشلن : خمسة قروش ، والقصة مكتوبة منذ سنوات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كل عام و أنتم بخير

بسم الله الرحمن الرحيم كل عام و أنتم بخير أعود للكتابة و النشر بعد عيد الأضحى المبارك إن شاء الله تعالى .. كل ...