الخميس، 21 فبراير 2019

( ستمطر .. ستمطر )

قصة قصيرة



بسم الله الرحمن الرحيم

قصة قصيرة ..

( ستمطر .. ستمطر )


كان وحيداً يتأمل في جمال خلق الله .. و يتأمّل ..
أحسَّ بسعادة غامرة و طُمأنينة شديدة ..
أحس بنور يتوهّجُ حوله ..
أحس بأن قلبه ممتلئ !
بالفرح .. بالراحة .. بالحب .. بالحنان !
أحس بأنه يفيض طاقة حتى أنه أخذ يركض فرِحاً فرِحاً ..
يركض و الأرض تركض تحته ..
سعيداً بركض الأرض هدّأ من سرعته و نظر في وجوه الناس على الطريق ..
كاد يصرخ بهم : انظروا .. انظروا الجمال !
انظروا الروعة !
انظروا الـ ....!
ذُهِلْ !
كان الناس يسيرون عجافَ الأرواح حملَ كلٌ منهم قلبه ذابلاً جافاً على يده و قد أخذوا ينظرون إليه باستغرابٍ شديد و كأنه قد هبط تواً من كوكبٍ فضائيّ !
لم يستوعِب عقلُه جيداً المشهد !
لكن قلبه كان يمتلئ حياةً.. كان يمور بشدة .. كان يريد أن يفيض !
نظر إلى قلوبهم الناضبة على أياديهم المرتعشة ..
مد يده .. شق صدره .. حمل قلبه الممتلئ بالدماء الوردية ..
مُـدّتْ أياديهم نحوه دون تفكير ..
امتلأت عيونهم بما لم يفهمه ؛ أهوَ توسلٌ أم تهديد !
لكنه لم يهتم !
جرى نحوهم قبل أن يصلوا إليه !
صبّ لهذا من دماء قلبه حتى تورّد جسده ، و الثاني .. و الثالث .. و الآخر و الأخرى .. و هذا و تلك ..
صبّ و صبّ و صبّ ..
كان قلبه يفيض و يفيض ..
كان يعمل بكل قوته سعيداً ..
لكنّ أحداً ممن ملأ قلوبهم لم يقف جواره ليملأ لغيره ..
ثم تكاثروا عليه حتى أنهم لم يكونوا يمهلونه وقتاً حتى يستجمع دماءَه من جديد !
ثم طالته أياديهم تهزه بغلظة لأنه لم يعطِهم ما يرضيهم !
شعر أنه بدأ يجف ! حتى أن قلبه فرغ !
حتى أن يده ارتعشتْ !
حتى أنه نظر لهؤلاء بذهول و كأنهم كائنات هبطت من كواكب فضائية بعيدة و متوحشة !
أراد أن يهرب منهم لكنه شعر بالعجز ..
نظر إلى قلبه الفارغ ؛ هزّه بيده المرتعشة ؛ بحث نظرُه فيه عن نقطة !
نقطة !
رفع بصره ذاهلاً نحوهم ؛ مُدّتْ يده المرتعشة بقلبه الفارغ و همست عيونه قهراً :
ـ نقطة !
نظروا إليه شزراً ؛ صعّروا خدودهم ؛ و انفضّوا من حوله !
ذاهلاً تحامل على نفسه ماداً يده المرتعشة بقلبه الفارغ حاملةً عيناه نظرات المغشي عليه من الموت ؛ خجِلاً يخطو نحو من ملأ لهم من دماء قلبه ما أحياهم؛ تنطق نظراته و يختبئ لسانه خلف ثنايا صنعتْ جدراناً تحبسه عن نطق ما لن يقوى على نطقه حتى لو انفرجتْ له !
ـ نقطة !
مدها لهذا :
ـ نقطة !
مدها لذاك :
ـ نقطة !
و لتلك :
ـ نقطة !
فرّ البعض منه كما يفرّ من المجذوم !
و أعطاه البعض ظهره عن عمد !
البعض ادعى أنه لا يراه !
و احتقره البعض الآخر !!
نطق لسانه :
ـ نقطة ماء فقط ؛ فقط ؛ لا أطلبها من دم ؛ نقطة ماء فقط ؛ تحيي قلبي ؛ نقطة ماء فقط ؛ فقط !
نظروا إليه بسُخط و صاحوا به :
=
تتسول !
ثم صرخوا بعلو أصواتهم مشيرين إليه باحتقار :
=
يتسوّل .. يتسوّل !
فاتحاً فمه و عينيه عن آخرهم نظر لهؤلاء !
كان قد صب للبعض منهم نصف دماء قلبه ! و هذا صببتُ له ربعه ! و هذا كان على مشارف القبر فرويتُه حتى قويَ و أهال التراب على فتحته حتى سدّه ..و ..
=
يشحذ .. يشحذ .. إنه شحاذ ! اطردوا الشحاذ !
رجماً بألسنتهم و أياديهم طاردوه !
بكفه الأخرى و بقايا هيكله المتهالِك حاول صدّ كلماتهم و حجارتهم عن قلبه المُحتضِر و هو يفر نحو الصحراء ؛ حيثُ لا أحد !
لا أحد !
أحدٌ أحدْ .. أحدٌ أحدْ !
رفع قلبَهُ الذابل نحو السماء ..
رفع بصرَه و قد أعمته أشعة الشمس ..
ـ نقطة !
ـ نقطة !
ربما المكان غير مناسب !
جرى .. جرى .. وقف ..
ـ نقطة !
ـ نقطة !
نفس الأشعة الحارقة !
ركض في كل اتجاه !
صرخ في كل مرّة :
ـ نقطة !
ـ نقطة !
جف ..
جفّ تماماً و شعر بقلبه يتحجّر و يثقُلُ حتى أن ركبتيه ارتمتْ أرضاً تئن من ثقله !
بجوار شقِّ من شقوق الأرض العطشى أناخت راحة يده بما عليها من حجارة !
نظر بأسى نحو قلبه ..
نظر بيأس !
ثمّ انخرط في البكاء !
أخذ يبكي و يبكي !
و يبكي و يبكي !
حتى أن دموعه ملأت شقاً من الشقوق ثم جرت فيه !
تابعَها ببصره ..
ثم انفتح سمعُه لأنّات ليست له !
بكاءٌ شديد ليس صاحبَه !
شقوقٌ تسري فيها مياه حتى التأمت الأرض !
ثم اهتزت ! و رَبَتْ !
حتى أنها أنبتت !
ثم استطال النبات و أزهر !
ابتسم للزهرة !
ابتسم حتى انفتح بصرُه على بسماتٍ كثيرة على وجوهٍ باكية كوجهه !لأجسادٍ ناحلة !
ربما لم يميزها حين كانت كجسده متحجِّرة !
مستغربين نظروا بعضَهم ..
بفرحٍ و أمل رفعوا أكفّهم ..
نافضةً الحجرية عن جدرانها تهيأتْ قلوبهم ..
ناظرةً الغيوم تهللت وجوههم ..
ـ قطرة !
ـ قطرة !
انطلقت ألسنتُهم ..
و مع الغيث .. صرختْ عنهم السعادة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللهم بَلِّغْنَا رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم  أعود للكتابة بعد رمضان إن شاء الله تعالى ، دمتم بألف خير .