الاثنين، 18 فبراير 2019

( الأبيض )

قصة قصيرة


بسم الله الرحمن الرحيم

قصة قصيرة  ..

( الأبيض )


اثنا عشر شهراً منذ الشتاء الفائت حتى الآن !!
اثنا عشر شهراً أقتطعُ فيها عشرة جنيهات كاملة من مرتب كل شهر - يعلم الله وحده - كم كان اقتطاعها يفرق معي - ويعلم الله وحده - حاجتي إلى كل خمسة قروش فيها !
وكم عشرة جنيهات في مرتبي ؟ وكم يتبقى لي منه أعيش به بعد اقتطاع الإيجار والكهرباء و الماء والجزء الذي أدخره لفاتورة الهاتف هذا سوى المواصلات ، وقطرة الدموع التي أشتريها مدعّمةً تبعاً لنظام التأمين الصحي الذي توفره لي الوظيفة الحكومية .. آه لو كان يصلح البكاء لبكيت ليل نهار ! لكن للأسف البكاء دموعه حارة بينما لابد أن تكون الدموع باردة لتغسل عينيّ وتحافظ عليهما ..
إلى أين سيصل قياس نظارتي بعد أن أصبح "كعب كبايه " ؟ 
هه .. ما علينا ..
لا أريد أن أنغص على نفسي فرحتي بالمائة وعشرين جنيهاً !
معي مائةٌ وعشرون جنيهاً كاملة .. حصاد عام ٍكامل ، أدّخرُه منذ الشتاء الماضي لأشتري لي " بلوفر " جديد هذا الشتاء فقد اهترأ القديم تقريباً وقد حفظني به الناس وليس الثاني بأفضل حالاً منه !
ـ مائةٌ وعشرون جنيهاً ـ سأشتري بها واحداً غالياً راقياً أتباهى به - ويرفع من مستوى شكلي قليلاً - نعم واحد راق أفضل من اثنين رخيصين " والغالي ثمنه فيه " !
احتضن محفظته القديمة التي تحوي تحويشة العام وقد أغمض عينيه مبتسماً بارتياح ثم تحول وجهه إلى العبوس والحزن فجأة .. وعاد يحدث نفسه بصوت مسموع مرة أخرى :
هذا و أنا وحدي !! لكن لا بأس .. لا بأس .. مصيري أن أتزوج يوماً مهما طال بي العمر .. كل الناس تتزوج !!
لقد اشتريت شهادة استثمار بعشرة جنيهات .. ستربح يوماً ما ،وأتعمد شراء منتجاتي الاستهلاكية التي يُعلن فيها عن هدايا ومسابقات وسحب ، وأضع بنداً لحساب مكالمة شهرية لأحد أرقام المسابقات، لابد و أن يسفر ذلك عن شيء يوماً لابد !!
زاد من احتضانه للمحفظة ، وطلع عليه صباح اليوم التالي الذي قرر أن يأخذه إجازة عارضة ليتفرغ فيه لشراء " البلوفر " ب " مزاج " !
مازال لديه خمسة أيام أخرى من العارضة بعد أن أخذ واحداً بسبب تأخره في الاستيقاظ منذ شهرين عن ميعاد اللحاق بالمواصلات التي يظل فيها ساعتين من الخامسة والنصف وحتى السابعة والنصف ، وهو الوقت الذي يستغرقه الباص منذ أن يستقله وحتى وصوله إلى المحطة المجاورة للمصلحة الحكومية التي يعمل بها بعد أن يكون قد مر بستة محطات أخرى ، سوى الوقت الذي يستغرقه سيراً على الأقدام حتى يصل إلى هناك ، ولا بد أن يُمضي اسمه في الثامنة ؛ وقد استيقظ يومها في الخامسة والنصف تماماً .. نعم هناك باصات أخرى ؛ لكن متى ستصل ؟ وهل جُنّ ليستقل سيارة أُجرة يدفع لها أكثر مما يصل إليه يومه بعد حساب الحوافز !!
وصل أخيراً إلى السوق .. وبعد دورةٍ واسعة فيه استغرقته حتى الظهيرة- لم يرفع يده خلالها عن جيبه، ولم يكُفّ فيها عن التلفت حوله - ، عاد يخاطب نفسه لكن سراً هذه المرة :
يا إلهي ما هذه الأسعار ؟! يبدو أنني لا أحيا في هذا العالم !
الأشياء الجميلة أسعارها كأنها وُضعت لأناسٍ من عالم آخر ، والأقل سعراً ألوانه متضاربة ، وأذواقه غريبة ! وكأنهم يستهدفون الشباب المجانين ليزيدوا من جنونهم أو ليوجدوه إن عدم !
يا الله !! ما أرقّ ذوق هذا "البلوفر" ! كما أن خامته تبدو متينة، ترى كم سيكون ثمنه ؟ لماذا لم توضع عليه ورقة الثمن ؟ لا .. لا سأتلافى الإحراج ولن أسأل عنه !
قدم رجلاً وأخّرَ أُخرى ، واستجمع قواه فجأةً مع تذكره بيت الشعر :
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تُؤخذ الدنيا غِلابا
فأخذ يذرع أمام واجهة المحل جيئةً وذهاباً علّه يرى أثماناً أخرى فيعرف ما ينتظره إن هو دخل !! لكن دون جدوى..
وحين رمقه صاحب المحل بنظرة رأى أنها حادة ، فصّدَت العرق من جبينه وسَمّرتهُ مكانه ، وأصبح أمام الأمر الواقع ؛ وأصبح لا بد مما ليس منه بد ! ووجد في المقولة الشهيرة " بين البائع والشاري يفتح الله " عزاءً له ، حزم أمره ، ونقل رجله ، وسحب الأخرى وهو يدفع باب المحل الذي بدا أثقل من مفاتح خزائن قارون :
ـ مرحباً .. أراهن أنك معجب ب "البلوفر" المعروض بالخارج ..
ـ نعم .. فعلاً كيف عرفت ؟!
ـ لن أجلس هنا إن لم أعرف كيف أريح الزبون!
ـ حقاً .. لقد شعرت بالارتياح منذ قابلتني بابتسامتك الجميلة هذه ..
ـ نحن في الخدمة .. ها قد أحضره العامل تفضل..
ـ لقد أحضر المعروض !!
في الحقيقة ذوقك راقٍ وحظك جيد أنك وجدته ، إنه القطعة الأخيرة من إنتاج المصنع هذا الأسبوع ، لقد بيع كله وأمامك ثلاثة أو أربعة أيام أخرى لنحصل على الإنتاج التالي للمصنع ، انظر إلى تداخل اللونين الأبيض و الزيتي في تجانس وجمال!
ـ وهما في الحقيقة اللونين المفضلين لدي خاصةً اللون الغالب ـ رغم أن الأبيض يتسخ سريعاً إلا أنه يشعرني بالراحة ـ 
كم ثمنه إذن ؟؟ 
ألقى بالسؤال وكأنه كان يخشى ألا يطاوعه لسانه على إلقائه وكان قد نطق جملته وكأنه لا يشعر بخروج كلماتها من بين شفتيه ، فيما تركز وعيه بأكمله على كيفية إلقاء السؤال !
ـ مائة وخمسون جنيهاً ..
اصفرّ وجهه :
ـ أليس غالياً بعض الشيء ؟!
ـ لا يا سيدي إنه يساوي أكثر من ذلك ؛ تأمل معي خامته الراقية : هذا القماش مستورد من أشهر مصانع القماش في الخارج ..
ـ إن كان هذا مستورداً من أشهر المصانع في الخارج فماذا يفعل مصنعكم إذن في الداخل ؟
ـ يفعل الكثير يا سيدي ! إنه يفصِّلُ هذه الأذواق الرائعة التي جذبتك إلى هنا، و التي أنهت كل المعروض في ثلاثة أيام فقط على كثرته .. هل تعي قيمة انتهاء إنتاج مصنع بأكمله لنوع معين في هذه المدة ؟ نحن في الخدمة ..
ـ مائة وعشرون جنيهاً..
ـ مائة وخمسون .. ألم أخبرك عن أهم ميزاته بعد ـ إنك لم تتفحصه جيداً إنه بوجهين يا سيدي ـ يعني تستطيع أن تلبسه على ظهره أيضاً ، إنك بشرائه تكون قد اشتريت اثنين بسعر واحد وبنفس المميزات الراقية ، نحن في الخدمة..
فاجأه حديث البائع ولم يستطع إخفاء فرحته بالبضاعة وهو يتفحصه ليتأكد من الكلام المقال ..
نعم حقاً وكأنه اشترى اثنين غاليين بسعر واحد ، لكن ما لبثت فرحته أن تحولت إلى توتر بدا على وجهه وهو يعيد الفصال :
ـ مائة وعشرون جنيهاً ..
ـ ما حكاية المائة وعشرون معك ؟ لا بأس سنجعلها مائة وخمسةً وأربعين ، ما رأيك ؟ 
ورغم أن هذا سيفسد الميزانية تماماً إلا أنه وجد نفسه مضطراً لرفع السعر :
ـ مائة وخمسة وعشرون ، وكن لطيفاً إنه سعر مناسب جداً !
ـ مائة اثنان وأربعون .. وهل هناك ألطف من هذا السعر ؟ نحن في الخدمة ..
ـ مائة وثلاثون آخر فصال وقل على بركة الله ..
ألقاها بآخر ما تبقى لديه من شجاعة وهو يصبِّر نفسه على ما سيلاقيه من شظف العيش بقية الشهر!
ورغم أن ما سيتبقى في جيبه بعد ذلك يكفي فقط ثمن تذكرة الباص ؛ إذ أنه لا يحمل معه أكثر من الثمن الذي حدده لنفسه ، سوى المبلغ الذي اعتاد على الخروج وهو في جيبه – خشية أن ينشل – كما حدث معه أحد الشهور السوداء ، لكنّ فرحته بالصفقة سوف تهوِّن عليه كل ذلك :
ـ مائة و أربعون لا تنقص ربع جنيه ، هذا سوى "البقشيش ".. نحن في الخدمة ..
نزل كلامه عليه كالصاعقة وبدت خيبة الأمل في عينيه وهو يخفضهما ، لكنه عاد ورفعهما فجأة وكله تصميم قائلاً :
ـ اتفقنا ، غداً إنشاء الله سأحضر لشرائه ..
ـ لا بأس يا سيدي ، ونحن في الخدمة ..
لكنّ تدبير العشرين جنيهاً الأخرى و "البقشيش" ..استغرق يومين حتى يجد من يقرضهما له ـ إذ لم يرد أن يأخذ شيئاً من مخصصات الماء والنور والمياه والهاتف ـ فهذا شهره ـ وهو ليس من أنصار " اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب "!
المهم :لم يكن يشعر بالأرض وهو ذاهب لشراء ما أراد ، فقد كانت قدماه لا تكاد تلمسانها وكما يقول المثل الشعبي " اللي معاه فلوس بيمشي في الطريق و يمِدّ "!
ولكن :
ـ مرحباً .. مرحباً .. أذكرك جيداً يا سيدي ..لماذا تأخرت ؟ عليك أن تنتظر يومين آخرين ليصل الإنتاج الجديد !
ـ ماذا هل بعته ؟ ولكنك ..
ـ ولكنك قلت غداً ، واليوم هو بعد بعد غد أليس كذلك ؟.. نحن في الخدمة..
عاد وقد خَبَتْ الفرحة في نفسه وأضناه الانتظار في هذين اليومين وكأنه تلميذ ينتظر نتيجة الامتحان!
ولو استطاع أن يفتح المحل مع البائع يومها لفعل :
ـ مرحباً .. مرحباً .. طبعاً أذكرك يا سيدي .. ها هو طلبك جاهز و في انتظارك ..ما رأيك ؟.. مائة وسبعون جنيهاً فقط ..
ـ ماذا ؟! ألم تقل أن ثمنه مائة وخمسون واتفقنا على مائة وأربعين؟
ـ عفواً.. لقد بيع ما اتفقنا عليه .. أتذكر ؟ أما المائة والخمسون فقد كانت سعر منتج الأسبوع الماضي..
ـ وهل تزيدون السعر بالأسبوع؟!
ـ لا طبعاً !
ـ إذن ماذا يفرق الأسبوع الحالي من الأسبوع الماضي ؟!
ـ ألم تسمع بما حدث ؟ لقد قرر البيت الأبيض ضرب العراق ..
ـ نعم سمعت و ياللأسف.. ولكن ما علاقة سعر "البلوفر" بقرار البيت الأبيض ؟!!
ـ ارتفع سعر الدولار يا سيدي !
ـ ومالي أنا بالبيت الأبيض ودولاره إن ارتفع أو انخفض أو حتى قفز ؟
ـ فأل الله ولا فألك .. اتركه مكانه ولا تأتي بسيرة القفز!
ـ اللهم اجعله يزحف !! أنَِر عقليَ المظلم ـ رحمك الله وخسف بدولارك الأرض ـ قبل أن تظلم الدنيا في وجهي!
ـ هوِّن عليك يا سيدي ، المسألة بسيطة : نحن نشتري القماش من الخارج ونستورده لنصنِّعَه ، والمستورد يُشترى بالعملة الصعبة ؛ فإذا زاد سعر العملة زاد علينا سعر القماش حتى لو اشتريناه بنفس الثمن.. فهمت ؟
ـ بسيطة !! الصعبة ؟!! لا .. بسيطة بسيطة .. نعم بسيطة .. بسيطة جدا ..
قالها وقد أطرق رأسه ، وأخذ ينقر المنضدة التي تفصل بينه وبين البائع بأصابعه بتواتر أعطاها نغمة سير قطار السكة الحديد ، وقد توقف عنها فجأة ورفع رأسه وعينيه الخاويتين مع كلمات البائع :
ـ لا تزال الصفقة رابحة يا سيدي مع جميع مميزاته.. ولأنك ابن حلال سأعطيه لك بمائة وستين جنيهاً فقط لا تنقص ربع جنيه .. هذا سوى "البقشيش" .. ما رأيك ؟!
نحن في الخدمة !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة مكتوبة منذ سنوات 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كل عام و أنتم بخير

بسم الله الرحمن الرحيم كل عام و أنتم بخير أعود للكتابة و النشر بعد عيد الأضحى المبارك إن شاء الله تعالى .. كل ...