الأربعاء، 20 فبراير 2019

( حضانة )

قصة قصيرة


بسم الله الرحمن الرحيم

قصة قصيرة ...

( حضانة )


إنه اليوم الأول لي في " الحضانة " .. لستُ خرِّيجة رياض أطفال ، لا أحمل حتى دبلوما تربوي ـ جيد أنهم قبلوا بي ـ يبدو أنهم كانوا في حاجة إلى سد عجزٍ طارئ !
لا أعرف كيف أتعامل مع هذا السن ؛ لم يكن لدي إخوة صغار لأتعلم فيهم !
إنهم مزعجون و أغبياء لا يكفون عن الصراخ و تخريب الأشياء ؛ " طنط " منى لديها ثلاثة أشقياء ؛ نعلن الطوارئ في المنزل إذا ما قررت إتحافنا بزيارة !

بعد التوقيع في دفتر الحضور ؛ و بعد الترحيب اللطيف قبله من مديرة الحضانة أصرّت على الذهاب معي و تقديمي للأطفال ـ حدثتني نفسي أن هذا سيعطيني أماناً و سُلطة ، لكني ما لبثت أن تراجعت و أنا أتذكر معاقبة الأطفال لمن يرتبط بمن يكرهون ـ ضربَ أطفال طنط منى ابن بواب عمارتنا لأن والده يصرخ فيهم دائماً ليبعدهم عن المصعد ؛ رغم أنهم كانوا يلعبون معه قبل أن يعرفوا ـ !
ماذا لو كانوا يكرهون المديرة ؟
أصررتُ بشدة أن تتركني أذهب وحدي حتى أكسر أي حاجز من الممكن أن يتواجد بيننا ..
يبدو أن كلماتي لامسَتْ شيئاً مما تعْلمُه المديرة عن فن التعامل مع الأطفال ـ بدا ذلك في اقتناعها المفاجئ و الرضا على وجهها ـ ربما أقنعت نفسها أني قد حصلت على دورة في التربية أو حتى أني أطّلع في هذا الشأن !

اتجهت إلى الفصل الذي أشارت إليه و أنا أتساءل ماذا يمكن أن أقول لها إذا ما ناقشتني بشكلٍ علميّ ؟

حين اقتربتُ من الفصل بدا صامتاً تماماً بل و فارغاً و كأن أحداً لم يحضر اليوم !
وقفتُ عند الباب و قد هممتُ بالرجوع لاعتقاد أني أخطأتُ رؤية اتجاه إشارة إصبع المديرة !
لكنّ نظرة لآخر الفصل أوقفتني ..
كان الجميع هناك !
متحلقين ينظرون إلى " ديسك " منفردة بجوار الشباك و قد سقط عليها ضوء الشمس؛ لكنها خالية !
إلى ماذا ينظرون بكل هذا الاهتمام ؟!
هكذا تساءلت في نفسي و أنا أقترب أكثر ثم ما لبثت أن ثبَتُّ مكاني مع ارتفاع صوت أحدهم متسائلاً :
ـ لكن ماذا تعتقدون أنها تقول و هي تفرك يديها هكذا ؟

"
ذبابة " ! يا إلهي كل هذا التجمع و الاهتمام من أجل ذبابة !!
صحيح كانت أكبر حجماً و كانت تقف تماماً في منتصف " الديسك " تستمتع بأشعة الشمس الساقطة عليها دون أن تعير أي اهتمام للعيون المثبتة عليها من مسافة متر تقريباً ، و قد بدت و كأنها تستجم على شاطئ : تفرك ساقيها الأماميتين مرة و ساقيها الخلفيتين مرة ، تدعك رأسها و عينيها و جناحيها مرات .. لكنها مجرد ذبابة !

حطّم تعجبي بتعجبٍ أشد الردُّ الذي حصل عليه صاحب التساءل :
ـ إنها تقول " و فرك يديه " : يــا لها من وجبة لذيذة يَمِي يَمِي !
قاطعتـْهُ طفلة ترتدي نظارة طبية يبدو عليها الذكاء و الرقة 
ـ كلا ؛ إنها تقول ..
و تغيرت ملامحها فجأة و اتسعت عيناها و هي تنظر دون وجهة و تفرك كفيها و قد بدا و كأن لها أنياباً و هي تتكلم :
ـ ههههاي .. ســــــوف أنــــــتــــــقــــــــــــم !

كانت عبارة الطفل و الطفلة بالفصحى ..
قررتُ فوراً أني سأتابع كل ما تبثه قنوات الكرتون طيلة فترة عملي .. ميزة النطق بالفصحى طغى عليها ما ارتبط في ذهنهم من مفهوم ..
عاد صاحب التساؤل :
ـ لكن لماذا تضع يديها على رأسها و عينيها ؟
أجابه طفل :
ـ تقول : آه يا عيني !
=
لماذا ؟ لم يضربها أحد على عينها ؟
ـ نحن نضربها دائماً !
=
و ماذا عن أجنحتها ؟
ـ تقول : " آه يا جناحاتي ياني " !
=
لماذا هل الطيرانُ مُتعِب ؟
قاطعهما طفل آخر :
ـ لا ، هي تغطي عينيها لأنها حزينة أنها لم تجد قمامة تأكل منها في الفصل ..
صاحت طفلة :
ـ لا تبدو حزينة !
رد الطفل :
ـ تلطم وجهها بيديها و ليست حزينة ؟
عاد صاحب التساؤل الأول :
ـ ماذا عن فرك ساقيها ببعض ؟
رد طفل :
ـ تعِبَتْ من الوقفة !
تساءلت طفلة سمينة بعض الشيء :
ـ هل أحضر ميزان ماما معي غداً و ننتظر أن تقف عليه ؟ لكن حقيبتي لن تكفيه !
=
لماذا ؟
ـ خالتي قالت لماما أنها تتعب من الوقوف بسبب وزنها !

عادتْ الذبابة لفرك ساقيها الأماميتين فتركزت الأنظار و صمتتْ الأفواه حتى أنهت حركتها ..

نظرتُ إليهم مندهشة .. أردت التداخل في الحوار و أسألهم مثلاً عن لماذا هي أكبر حجماً من سواها ؛ لكني خمّنت أن سؤالاً كهذا لم يكن ليفوتهم و إنما فات لحظة دخولي ..
أنهى الصمت و الاندهاش طفلٌ جديد منتصراً لصاحب وجهة النظر بأنها مستاءة بسبب نظافة الفصل صائحاً :
ـ هل تعرفون ماذا تقول ؟
إنها تقول ـ و فرك كفيه ـ : " هيييه .. استعنا ع الشقا بالله " !!

بخفة و هدوء ـ و بعد أن نجحتُ في اجتذاب نفسي مما أصابني من دهشة ـ تراجعتُ نحو كرسي المعلمة و أنا أُعِدُّ نفسي للعبث بمحتويات حقيبتي لإخراج هاتفي المحمول لأبحث عن معلومات عن الذبابة على الشبكة العنكبوتية ؛ و خطر في ذهني معلومة عن إعطاء وسام الذبابات الثلاث عند الفراعنة لأفضل مناور في الحرب و أردتُ التأكد منها و تساءلت إن كان عقلهم سيستوعب معنى مناورة ؛ رد عقلي : مادام يستوعب الانتقام ! لكني عدَلت للتفكير في الأبسط مثل : هل للذباب ملكة كالنحل ؟ هل تتمتع بصفاتها أو بعضها ؟
جلوسي على الكرسي أحدث جلبة لم أكن قد خططتُ لها ؛ فقد التفت الجميع و تطايرت أصواتٌ رقيقة تحاول خفض نغمتها عفوياً و هي تُعْلِم و تحذر الباقين :
ـ " الميس الجديده .. الميس الجديده " !
انتظم الفصل في لحظات كلٌ في مكانه ؛ و قد نفضتني أصواتهم عن الكرسي خجلى كالتلميذة الوافدة حديثاً على فصلٍ جديد !
"
الميس الجديده " واضح أن السابقة كانت مميزة فقد فرّقوا فوراً و اهتموا بصفة الجـِدّة ..
قلت : السلام عليكم يا "حلويين" !
ردهم السلام كاملاً وقوفاً بنغمة أطفال المدارس المعهودة أصابني بالصمت للحظة قبل أن أشير إليهم بالجلوس ؛ لـ " الميس " السابقة أثرها الواضح !
مع محاولتي استجماع شجاعتي لتقديم نفسي انتابتني رغبة جامحة في فرك كفيّ ـ لولا مشهد الذبابة ـ و قد حار عقلي في سؤاله لنفسه ماذا كان المنهج ؟؟ أما الرد فقد استعاره حتماً ممن ختم تأملاتهم السالفة و أطبقتُ شفتيّ و حبستُ لساني قهراً و هو يردده :
"
هيييه .. استعنا ع الشقا بالله " !!







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللهم بَلِّغْنَا رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم  أعود للكتابة بعد رمضان إن شاء الله تعالى ، دمتم بألف خير .