الخميس، 20 سبتمبر 2018

( هنا يموت الحمار )



بسم الله الرحمن الرحيم


قصة للطفل من 8 سنوات ..
( هنا يموت الحمار )

كان ياما كان في قديم الزمان .. حماران ؛ أحدهما أبيض والآخر رمادي ..
كانا يعملان عند الناس يحملان لهم الأشياء ويركبهم أبناؤهم، وكان الناس يطعمونهم التبن و العلف ويسقونهم الماء ..
وفي يوم ٍ من الأيام قال الأبيض لصاحبه : إلى متى نظل نعمل عند الناس، ويركبنا أبناؤهم ، ويضربونا بأرجلهم ويقولون عنا حميراً ؟
قال الرمادي : وماذا في ذلك ما داموا يطعموننا ويسقوننا ؟!
قال الأبيض : لكننا نخدمهم ويحتقروننا ! لو رحلنا من هنا إلى الغابة السعيدة ؛ سنجد الطعام والماء ونحيا أحراراً لا يحتقرنا أحد ..
قال الحمار الرمادي : الغابة السعيدة لا نعرف عنها إلا من كلام الطيور! ويقولون أن بيننا وبينها صحراء شاسعة ، لكنا نعرف أننا لو بقينا هنا لأكلنا وشربنا وعشنا كما نريد " واللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش " .
قال الأبيض : لن نعيش كما نريد بل سنعيش كما يريد من يقدم لنا الطعام والشراب .. ولو مِتُّ بعد أن أعرف الحرية خيرٌ من أن أموت وأنا لا أعرف إلا خدمة من يطعمني ! .. هل ستأتي معي أم لا ؟
وافق الحمار الرمادي حتى لا يكون جباناً في نظر صاحبه ..
وانطلقا في الليل حتى خرجا من القرية ودخلا الصحراء الشاسعة بحثاً عن الغابة السعيدة وحياة الحرية ..
لكن الصحراء كانت واسعة ً جداً وشمسها حارقة ونفد منهما الطعام والماء وأحياناً كانت أرجلهما تنغرس في الرمال ، وكلما انغرست قدم الحمار الرمادي صرخ وقال للأبيض : تباً لك .. ستهلكنا بغبائك ؛ لقد كنا نعيش في الزريبة في الظل !
وكلما أحس بالجوع والعطش لعن حظه الذي أوقعه في هذا الصديق وقال :تباً لك ..لقد كنا نشرب و نأكل كل يوم ..
قال له الحمار الأبيض : لقد خيرتك فاخترت بإرادتك .. ألا تستحق الحرية أن نصبر على الجوع والعطش أياماً ؟
ظلَّ الحمار الرمادي يصرخ مع كل خطوة ؛ ويقول : سأموت هنا لأنني استمعت لغبي مثلك يصدِّق الأوهام .. أريد أن أعود .. أريد أن أرجع..
وفي الأفق لاحت شجرة كبيرة ليس فيها ورق ، مليئة بالفروع الجافة تقف عليها نسورٌ ضخمة..
صرخ الحمار الرمادي :هل هذه هي الغابة السعيدة التي متنا جوعاً حتى نصل إليها ؟!
قال الأبيض : الحمد لله .. ما دمنا وجدنا هذه الشجرة إذن هناك بعدها سنجد الغابة السعيدة ..
سمعتهما النسور فجاءت تحوم فوقهما وتزعق بصوتها المخيف ؛قالوا لهما :أيها الغبيان ! لا وجود للغابة السعيدة ،ارجعا للصحراء قبل فوات الأوان ..
لكِنَّ سرباً من الطيور المهاجرة في السماء البعيدة مرَّ فوقهم إلى الأمام ناحية الغابة ..
قال الحمار الأبيض : تباً لكم أيها النسور تريدون أن نرجع إلى الصحراء حتى نموت عطشاً و تأكلونا ؛لكننا سنتابع حتى نصل إلى الغابة السعيدة ..
اغتاظت النسور من فهم الحمار الأبيض و أخذت تصيح :
يا أحمقان ! وهل توجد غابة سعيدة في الدنيا كلِّها ؟ إنَّ بها أسداً ضخماً يأكل الحيوانات السمينة أمثالكم ..
صرخ الحمار الرمادي : أسد !! فيها أسد؟؟ لا لن أموت بين أنياب الأسد ، سأرجع حيث كنت آكل وأشرب وأنام بأمان ..
قال الحمار الأبيض : لا مجال للرجوع فالمسافة أطول من أن تصل، ستموت جوعاً وعطشاً ، وتأكلك هذه النسور ؛ ليس في الغابة أسد ؛ إنهم يكذبون علينا كي نفعل ما قلت فنموت ويأكلونا !
قالت النسور : أنت حرّ أيها الحمار ؛اذهب إلى الأسد و لا تصدق من ينصحك ..
قال الحمار الأبيض : وكيف يصدقكم وقد كذبتم في البداية وقلتم لا توجد غابة ٌ هنا ؛ثمَّ ادعيتم وجود أسدٍ بها ؟
قالت النسور بغيظ :كنا نقصد أنه لا توجد غابة سعيدة ففيها أسدٌ_ كما قلنا_ ذو أنيابٍ حادة تنتظر أمثالكم من الأغبياء ، ونحن بقينا هنا لنحذر المساكين أمثالكم منه ومن أنيابه ..
صرخ الحمار الرمادي : لا ، لن أسير خطوةً واحدة .. سأبقى هنا إلى جوار هؤلاء الطيبين ربما تمطر السماء فأشرب و أجد شيئاً حول جذع الشجرة فآكله ..
قال الحمار الأبيض : لن تُمطر السماء بدون غيوم ، ولن تَنبت الأعشاب في يومٍ وليلة !قم نسير بما بقي لدينا من قوة حتى نصل إلى غايتنا ونحيا حياةً سعيدة في الغابة السعيدة ..
صرخ الحمار الرمادي : تباً لك ولأوهامك ؛ لا توجد غابة سعيدة ،وهل توجد غابة ليس فيها أسد !! اذهب أنت ؛فإذا رجعت ولم تمت سآتي معك ..
قال الحمار الأبيض : لكنك إن بقيت هنا ستموت عطشاً حتى أصل وأرجع لك بشربة ماء ..أي أن الموت هنا محقق عطشا،ً بينما لو سرت معي قد نصل إلى الماء فنحيا ..
صرخ الرمادي : نعم نحيا بين أنياب الأسد !
فشل الحمار الأبيض في إقناع الحمار الرمادي أن يأتي معه ، فتركه وسار نحو الغابة السعيدة ..
ولما وصلها، وجدها مليئة بالأشجار الخضراء المثمرة والأزهار الجميلة والأعشاب النَّدِيَّة ،وبها نبع ماءٍ عذب شرب منه حتى ارتوى ، وأكل من العشب حتى شبع ، وتجمعت حوله حيوانتها ترحب بالزائر الجديد ، وفرحوا به وببحثه عن الحرية وسعيه للوصول إلى غابتهم الغابة السعيدة ؛ لكنهم لم يرضوا أبداً أن يحمل ماءً وعشباً منها إلى الحمار الرمادي ؛ وأخبروه عن أسطورة الغابة السعيدة و التي تقول " إن الغابة السعيدة هي جزاء كل من سعى لها وعمل بجد للوصول إليها لينال حريته ، وأنها لن تظل كذلك إذا أُخرج طعامها وماؤها منها ليأكله الجبناء وكل من لم يخاطر في سبيل الوصول إليها " .
حزن الحمار الأبيض كثيراً لأنه لا يستطيع أن يحمل الماء والطعام إلى صاحبه الرمادي ، لكنه ركض بكل قوته ليصل إليه عند الشجرة اليابسة ..ولما وصل إليه وجده في حالة ٍ سيئةٍ جداً من العطش ، فقال له فرحاً :
لقد وجدت الغابة السعيدة .. إنها على مسيرة يومٍ واحدٍ فقط من هنا .. أنظر إليّ.. لقد أكلت وشربت و أصبحت قوياً ثانيةً ..تعال معي حتى نحيا فيها حياةً سعيدة ..
فرح الحمار الرمادي وتحامل على نفسه و وقف ليسير معه ..لكنَّ النسور صاحت فيه:
إنه يكذب عليك .. إنه خائن .. لابد أنه تعهد للأسد أن يأتي بك ليأكلك بدلاً عنه ، ولكنه غبي لأن الأسد سيأكله هو أيضاً بعدك .. لو كان صديقك كما يقول ؛ لماذا لم يحضر لك الماء والطعام معه ؟
نظر الحمار الرمادي إلى صاحبه وقد ملأ الشك قلبه ؛ فأسرع الحمار الأبيض وأخبره بأسطورة الغابة السعيدة ..
وقال له : فكِّر قليلاً ..لو بقيت هنا ستموت عطشاً حتماً ،لكنك لو سرت معي فسأساعدك على السير حتى تصل وتشرب و تحيا وتتأكد أنه لا وجود لهذا الأسد ؛ وحتى لو كان موجوداً – وهذا غير صحيح _ فستصبح قوياً مثلي تستطيع أن تهرب منه أو نغلبه سوياً بقوتنا ، أليس الموت قوياً أفضل من أن تموت في مكانك عطشاً وجوعاً ؟
قالت النسور للحمار الرمادي : أرأيت ! إذن هناك أسد ينتظرك .
قال الحمار الأبيض : كيف ُتكذِّب صديقك وتثق في من رأيته منذ أيامٍ فقط ولا تعرف ماذا يُضمر لك ؟! إنهم ينتظرون موتك ليأكلوا جثتك ..استمع إلى صديقك أرجوك ..
لكن الحمار الرمادي قال له: أنت من أوصلني لهذا ولابد أنك ستوصلني للأسد ليأكلني .
قال له صديقه الأبيض: إن كان هناك أسد فقد تموت ؛ وإن لم يكن _وهذه هي الحقيقة _فستشرب وتحيا حياة سعيدة لكنك إن بقيت هنا ستموت فقط .
لكن الحمار الرمادي ظل متردداً خائفاً يلهث من العطش حتى فقد كل قوته، و ظل صديقه الأبيض إلى جواره يحاول إقناعه دون جدوى ..
وحين رأت النسور أن الحمار الرمادي أصبح على حافة الموت فرحت كثيراً ولم تستطع الانتظار حتى موته فأخذت تنقضُّ على جسده المتهالك تنقره بمناقيرها الحادة ..
حينها صرخ الحمار الرمادي وقال: أنقذني يا صديقي سيأكلون جسدي !! الآن عرفت من الكاذب و من الصادق .. أرجوك أنقذني ..
حاول الحمار الأبيض الدفاع عن صديقه ،وساعده على الوقوف والسير وأخذ يشجعه حتى يحتمل ويصل معه إلى الغابة السعيدة ..
وظلت النسور تتبعهم وتنقضُّ على جسده الضعيف كلما استطاعت .
وحين وصلا إلى منتصف الطريق بين الشجرة اليابسة والغابة السعيدة سقط الحمار الرمادي ميِّتاً من العطش والألم ، ورأت ذلك طيور الغابة السعيدة ؛ فأخبروا حيواناتها وخرجوا ليطلبوا من الحمار الأبيض أن يعود معهم ويتركه فقد مات فعلاً ..فعاد معهم حزيناً على صديقه ، لكنهم كانوا فرحين ببطولته وجعلوه عضواً في غابتهم ومنحوه الحزام الأسود رمز الشجاعة و أصبح اسمه الحمار الوحشي .
ولكنه ظل حزيناً على صاحبه ، وحين خرج ليرى المكان الذي مات فيه ، كانت النسور قد أكلت جثته ولم يبقَ منها سوى جمجمته الفارغة .
حينها اجتمعت الحيوانات وكتبت على صخرة كبيرة :
هنـــــــــــــــا يـــــــــــــــــــمـــــــــــوت الحــمـــــــــــــــــــــــار
و وضعتها بجوار الجمجمة .
وكان كل وافدٍ إلى الغابة السعيدة يسأل عن سر المكتوب على الصخرة حتـــــــــــى قبــــــــــــــــــــــــــل أن يشـــــــــــــــــــــــــــــــرب !!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملحوظة : هذه القصة حولتها لمسرحية للطفل .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لا إله إلا الله

لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله أخي الوحيد في ذمة الله أسألكم بالله قراءة الفاتحة و إهداء ثوابها له و الدعاء له بالرحمة و المغفرة ...